السيد صادق الموسوي
98
تمام نهج البلاغة
يَقُولُ لِمَا أَرَادَ كوَنْهَُ : « كُنْ » فَيَكُونُ ، لَا بِصَوْتٍ يُقْرَعُ ، وَلَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ ، وَإِنَّمَا كلَاَمهُُ - سبُحْاَنهَُ - فِعْلٌ مِنْهُ أنَشْأَهَُ وَمثَلَّهَُ ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً ، وَلَوْ كَانَ قَديماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً . لَا يُقَالُ : « كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ » ، فَتَجْري عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبيَنْهَُ ( 1 ) فَصْلٌ ، وَلَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ ، فَيَسْتَوِيَ الصّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ ، وَيَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَالْبَديعُ . خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غيَرْهِِ ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خلَقْهِِ . وَأَنْشَأَ الأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ ، وَأَرْسَاهَا عَلى غَيْرِ قَرَارٍ ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ ، وَرَفَعَهَا بَغَيْرِ دَعَائِمَ ، وَحَصَّنَهَا مِنَ الأَوَدِ وَالِاعْوِجَاجِ ، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَالِانْفِرَاجِ . أَرْسى أَوْتَادَهَا ، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا ، وَاسْتَفَاضَ عُيُونَهَا ، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا ، فَلَمْ يَهِنْ مَا بنَاَهُ ، وَلَا ضَعُفَ مَا قوَاّهُ . هُوَ الظّاهِرُ عَلَيْهَا بسِلُطْاَنهِِ وَعظَمَتَهِِ ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بعِلِمْهِِ وَمعَرْفِتَهِِ ، وَالْعَالي عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بجِلَاَلهِِ وَعزِتَّهِِ . لَا يعُجْزِهُُ شَيْءٌ مِنْهَا ( 2 ) فيَطَلْبُهَُ ( 3 ) ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فيَغَلْبِهَُ ، وَلَا يفَوُتهُُ السَّريعُ مِنْهَا فيَسَبْقِهَُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلى ذي مَالٍ فيَرَزْقُهَُ . خَضَعَتِ الأَشْيَاءُ لَهُ ، وَذَلَّتْ ( 4 ) مُسْتَكينَةً لعِظَمَتَهِِ ، لَا تَسْتَطيعُ الْهَرَبَ مِنْ سلُطْاَنهِِ إِلى غيَرْهِِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نفَعْهِِ وَضرَهِِّ ، وَلَا كُفْؤٌ لَهُ فيَكُاَفئِهَُ ، وَلَا نَظيرٌ لَهُ فيَسُاَويِهَُ . هُوَ الْمُفْني لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا ، حَتّى يَصيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا . وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا . وَكَيْفَ وَلَوِ اجْتَمَعَ جَميعُ حَيَوَانِهَا ، مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَا ، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا ( 5 ) وَأَجْنَاسِهَا ، وَمُتَبَلَّدَةِ أُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا ، عَلى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ ، مَا قَدَرَتْ عَلى إِحْدَاثِهَا ، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبيلُ إِلى إيجَادِهَا ، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا في عِلْمِ ذَلِكَ وَتَاهَتْ ، وَعَجِزَتْ قُواهَا وَتَنَاهَتْ ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسيرَةً ، عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ في إِبْدَائِهَا ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ
--> ( 1 ) - بينه وبينها . ورد في نسخة ابن المؤدب ص 171 . ونسخة نصيري 112 . وهامش نسخة الآملي ص 208 . ( 2 ) - منها شيء . ورد في نسخة نصيري 112 . ( 3 ) - طلبه . ورد في نسخة ابن المؤدب ص 171 . ونسخة نصيري 112 . ونسخة الآملي ص 208 . ونسخة الجيلاني . ونسخة الأسترآبادي ص 276 . ( 4 ) - فذلّت . ورد في نسخة ابن أبي المحاسن ص 241 . ( 5 ) - أشباحها . ورد في نسخة ابن المؤدب ص 171 . ونسخة نصيري 112 . ونسخة الآملي ص 209 .